ابن تيمية

3

مجموعة الرسائل والمسائل

وهذا لأنهم يطالبون الرسول صلى الله عليه وسلم تارة بعلم الغيب كقوله ( ويقولن متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ، ويسألونك عن الساعة أيان مرساها ؟ قل إنما علمها عند ربي ) وتارة بالتأثير كقوله ( وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا ، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً أو تأتي بالله والملائكة قبيلا - إلى قوله - قل سبحان ربي ، هل كنت إلا بشراً رسولا ؟ ) وتارة يعيبون عليه الحاجة والبشرية ، كقوله ( وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ؟ لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً ، أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها ؟ ) فأمره أن يخبر أنه لا يعلم الغيب ، ولا يملك خزائن الله ، ولا هو ملك غني عن الأكل والمال ، إن هو إلا متبع لما أوحي إليه ، واتباع ما أوحي إليه هو الدين ، وهو طاعة الله ، وعبادته علماً وعملاً بالباطن والظاهر . وإنما ينال من تلك الثلاثة بقدر ما يعطيه الله تعالى فيعلم منه ما علمه إياه ، ويقدر منه على ما أقدره الله عليه ، ويستغني عما أغناه الله عنه من الأمور المخالفة للعادة المطردة أو لعادة غالب الناس . فما كان من الخوارق من باب العلم ، فتارة بأن يسمع العبد ما لا يسمعه غيره ، وتارة بأن يرى ما لا يراه غيره يقظة ومناماً ، وتارة بأن يعلم ما لا يعلم غيره وحياً وإلهاماً ، أو إنزال علم ضروري ، أو فراسة صادقة ، ويسمى كشفاً ومشاهدات ، ومكاشفات ومخاطبات . فالسماع مخاطبات ، والرؤية مشاهدات ، والعلم مكاشفة ، ويسمى ذلك كله كشفاً ومكاشفة ، أي كشف له عنه . وما كان من باب القدرة فهو التأثير ، وقد يكون همة وصدقاً ودعوة مجابة ، وقد يكون من فعل الله الذي لا تأثر له فيه بحال ، مثل هلاك عدوه بغير أثر منه كقوله ( 1 ) " من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة - وإني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث

--> ( 1 ) أي النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل